الشيخ محمد هادي معرفة

24

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وعلى هذا السبيل ، لمّا نزلت الآية : « وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ، غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا ، بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ » « 1 » لا نظنّ أنّ العرب فهمت منها الجوارح والأعضاء ، نظير قوله تعالى : « وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ » « 2 » لا يعني الجارحة المخصوصة كما زعمته المشبّهة من أصحاب الحشو ، وإنّما عنى يد القدرة ونفي العجز عن التصرّف فيما يشاء تعالى . أمّا الأشعري ومن حذا حذوه فإنّهم قد انحرفوا في فهم هذا المعنى الظاهر ، فأوّلوه إلى الجارحة ، وقالوا إنّ للّه يدا ورجلًا وعينا ووجها وما إلى ذلك ، وقوفا مع ظاهر الكلمة في القرآن . « 3 » والشواهد على هذا التحريف بظواهر القرآن كثيرة سنعرض نماذج منها في فصل قادم . ونذكر مدى تأثير تلكم المذاهب المبتدعة في تشويه ظاهر القرآن الكريم ، من جرّاء تطاول أياديهم الأثيمة نحو هذا الكتاب الإلهي المقدّس ، لغرض تلويثه ! ولكن معاذ اللّه « وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ » . « 4 » وسيأتي هذا الجانب من البحث بتوضيح أكثر إن شاءاللّه .

--> ( 1 ) - المائدة 64 : 5 . ( 2 ) - الإسراء 29 : 17 . ( 3 ) - راجع : الإبانة ، ص 77 فما بعد ، وغيرها من كتب القوم وهي كثيرة . ( 4 ) - التوبة 32 : 9 .